المقالات


ما الذي أطار النوم من أعينهم؟!

في عز الشتاء، وفي (المربعانية)، خلد للنوم بعد ما تناول عشاءه وصلّى العشاء، تقلب على فراشه عدة ساعات، فلم يجد النوم إليه سبيلا! كيف ينام وقد أقلقه أمر عظيم، أوجع قلبه الذي كقلب طير، قلبٌ يتأثر وهو خالٍ فكيف وقد داخله "القلق"؟!

عهدتك حيث تتعبني سليما.. فكيف تريحني بعد الجروح؟!

كان يفكر في هذه الليلة الشاتية شديدة البرودة بما تحت ذمته، هل هن مكنونات عن البرد؟ مستورات عن الريح الشمالية التي بلغت برودتها درجة الصفر؟ فلما كانت الساعة الثانية عشرة ليلا أيقظ ابنه محمدا وقال: هيا بنا للمزرعة! استغرب الابن ولكنه وافق فانطلقا، والأب يحوقل ويستغفر، ولأول مرة يرى الابن أباه متأخرا لم ينم، بل ومهموما جدا؛ حتى وصلا المزرعة فانطلق الأب "لحوش الغنم" وكانت معز، فأصلح مكانهن مع أنه كان جيدا، وزاد غطاءه من جهة الشمال واطمأن عليهن، ثم قال لي: يا بني هذه أمانة لدي وهن عجموات، لكنهن يشعرن بمصابهن؛ واستشهد بحديث عبدالله بن جعفر أنه قال: أرْدفني رسول الله صلى الله عليْه وسلّم ذات يوم ثم ذكر الحديث وفيه فدخل حائطا لرجلٍ من الأنْصار فإذا فيه جملٌ، فلمّا رأى النّبيّ -صلّى اللّه عليْه وسلّم- جزع وذرفتْ عيْناه، قال: فأتاه النّبيّ -صلّى اللّه عليْه وسلّم- فمسح رأْسه إلى سنامه وذفْراه، فسكن، فقال: "منْ ربّ هذا الْجمل، لمنْ هذا الْجمل؟" فجاء فتى من الأنْصار، فقال: هو لي يا رسول اللّه، قال: "أفلا تتّقي اللّه في هذه البهيمة؟ ملّكك اللّه إيّاها، فإنّه شكا إليّ أنّك تجيعه وتدْئبه".. وهكذا، رجع هذا الرجل الصالح فرحاً مسروراً، يقول ابنه: وصلنا البيت ثم نام حامداً شاكراً.

يشابه هذا الإحساس المرهف الرفيع قصة أخرى لرجل آخر؛ إذْ أتتهم هدية للأم «جثيثة نخلة» قبل عشرين سنة وكانت قيمتها ١٥٠٠ ريال، فلم تهتم لها ولم تدر ما تعمل بها، فلما كان من الغد وجدها الزوج ضائقاً صدرها، فقال: لعلي أشتريها منك بـ ٢٠٠ ريال فوافقت، فتعشى المغرب ثم ذهب لصلاة العشاء فصلى، وكان من عادته أنه يذهب لينام بعدها، لكن أولاده وزوجته تفاجأوا بدخوله عليهم الساعة ١١ ليلاً، ففجعهم بخروجه وعدم نومه، فسألوه: ما بك؟ فقال لم أستطع النوم! فلقد أحسست أن شرائي للنخلة منك فيه غرر فقيمتها أعلى؛ فأرجو منك إباحتي! فقالت: بألف «حل وظل» ولا عليك فذهب لينام مرتاحاً..

وآخر يدرس بالجامعة، ويستلم راتباً، لكنه يعرض له «موقف» فيتأخر، وهذا قليل جداً، أو لا يأتي بسبب ارتباطات رسمية، فإذا أتى يتجه للمحاسبة فيخصمها ويصر على ذلك.

أما الأول فهو فضيلة الشيخ عبدالله بن محمد حسين أبا الخيل، الذي توفي بتاريخ 19 – 3 – 1434هـ، وحكى لي القصة ابنه الدكتور محمد قبل ٢٠ سنة.

وأما الثاني فهو فضيلة الشيخ صالح بن عبدالله بن رشيد الفرج الذي توفي بتاريخ 19 – 6 – 1436هـ وروى قصته لي ابنه محمد.

وأما الأخير فهو فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن العثيمين الذي توفي بتاريخ 15 – 10 – 1421هـ يروي قصته موظفو الجامعة وطلابه وهو مما اشتهر عنه واستفاض.

رحمهم الله جميعاً؛ فلقد كانوا نماذج في الورع، وأصحاب إحساس إيماني رفيع، وفيهم رقي في التعامل مع الإنسان والحيوان والوظيفة، هذه سلوكيات عالية إيجابية ربما يراها البعض "مثالية" لكنهم حققوها وتدربوا عليها من صغرهم في حياتهم، فسهلت عليهم في كبرهم، فليتأمل العاقل تعامله مع من حوله وفي أعماله؛ فالقلب الحي يقلب حياته ويحيي قلبه، فلا يزال يعلو به الإيمان حتى يهبه الله قوة في البصيرة يرى بها المرء مواطن الخلل، ويرتقي بها في مراقي السمو والطهر والعطاء والإحسان.. اللهم ارزقنا قلباً سليماً رقيقاً، آمين.



 











 

            

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ عبد العزيز © 2012

 
موقع الشيخ عبدالعزيز الاحمد - ما الذي أطار النوم من أعينهم؟!