المقالات


قصة في طريق مكة!

قبل ٢٠ عاماً كنت راجعاً مع أسرتي من مكة والطائف، ذلك العام كان الصيف الساخن في شهر رجب موافقاً لشهر أغسطس، تجاوزنا محافظة "ظَلم" متجهين صوب محافظة "عفيف" وكان بينهما ١٥٠ كيلاً، ولسوء الطريق وكثرة حفره ومطباته، تفاجأت بانفجار إطار السيارة، فيسر الله وتمالكت نفسي وتحكمت بها حتى توقفت على جانب الطريق.

ذلك الطريق - لمن لا يعرفه - موحش ولا يوجد فيه محطات وسط صحراء لاهبة، فلما توقفت السيارة ونزلت وجدت الكفر منسلخاً تماماً، والسيارة تمشي على الحديد، حمدت الله على السلامة، وأنزلت رافعة العجلات فرفعت السيارة، ثم أتيت بمفتاح مسامير العجلات، فأبت تماما وكأن المسامير صامَت وأبت التجاوب بسبب المشي عليها مسافة أثرت عليها، حاولت وحاولت ففشلت المحاولات، والحر شديد جداً، عملت عدة إشارات وطلبات لعل أحدا يقف، فلم يقف أحد إطلاقاً!

حينها، استخرت الله أن أسير بالسيارة وهي هكذا.. لكن هل أرجع لظلم وقد ابتعدت عنها ٧٠ كيلاً؟ أم أكمل إلى عفيف وبقي عليها ٨٠ كيلاً؟! فقررت الاستمرار، ودعونا الله مع الأولاد أن ييسر الطريق، ركبنا وسرنا ببطء شديد على حافة الطريق وكتفه، فما مشيت إلا مئات الأمتار وإذ بسيارة تتجاوزنا بسرعة كبيرة ثم تمهلت، فرجعت قليلاً، ثم توقفت، ونزل منها ثلاثة شباب صباح الوجوه يعلوهم الطيب والسماحة، صاحوا بنا: هل من خدمة؟ وهم يرون أننا عائلة، نزلت من السيارة فتقدم أحدهم، وسلم فتفاجأت أنني أعرفه ومن معه، فقالوا والله ما عرفناك لكن رأينا عجلة السيارة وأنتم أسرة تأثرنا ورجعنا، وفعلاً أنزلوا معداتهم وأكلهم وشرابهم، حاولوا إصلاح السيارة فعجزوا، فحلفوا علي أن آخذ سيارتهم والموعد «بريدة» رفضت ذلك مع شكرهم، فقالوا حر شديد على الأولاد والزوجة، فقلت إذن أذهب وأنتظركم في «عفيف» فعلا أخذت سيارتهم وتوقفت بعفيف، وسكنا بشقة مفروشة سقطنا فيها كالموتى من شدة التعب، وما هي إلا ٤ ساعات وإذ بهم يأتون بسيارتنا قد أصلحوها، ما زلت من ٢٠ عاما أدعو لهم وأذكرهم وأشكرهم، أحدهم من عائلة آل رسي والثاني من آل محيطب والثالث نسيت عائلته، لكن الله يعلمه، فجزى الله من سعى بالإحسان وبادر بالخير وزرعه ونماه.

لَيْسَ الْبِنَاءُ مُشَيَّدًا لَكَ شِيدُهُ

    مِثْلَ الْبِنَاءِ يُشَادُ بِالإِحْسَانِ

الْبِرُّ أَكْرَمُ مَا حَوَتْهُ حَقِيبَةٌ

    وَالشُّكْرُ أَكْرَمُ مَا حَوَتْهُ يَدَانِ

وَإِذَا الْكَرِيمُ مَضَى وَوَلَّى عُمْرُهُ

    كَفِلَ الثَّنَاءُ لَهُ بِعُمْر ثَانِ


 











 

            

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ عبد العزيز © 2012

 
موقع الشيخ عبدالعزيز الاحمد - قصة في طريق مكة!