المقالات


للمعروف.. لسان

لا يوجد في الحياة طعم يقارب طعم الإيمان مثل طعم العطاء والصدقة.. ذلك أن البذل يدل على سخاء النفس، وطيب المعدن، وحب الخير.. وله أوجه وألوان.. يبدأ من النية ثم العزم والإرادة والعمل، وكم من عطاء صغير بارك الله في أثره.. وكلما كبر.. كثر الله بركته وضاعف خيره..

لا أنسى أحد التجار يحكي لي أنه مرة كان يقود سيارته فلما توقف لحاجته عند «بقالة» وترجل منها أتاه فقير يسأله فأدخل الغني يده في جيبه وأخرج ٥٠ ريالاً وأعطاها الفقير، لكن ما إن وضعها بيد الفقير وجدها ٥٠٠ ريال فتلكأ وأراد إرجاعها، لكنه تركها للفقير قائلاً لنفسه: الله أراد ذلك ولعل في ذلك الخير.. يقول التاجر فلبثت عدة أيام ثم بعت أرضاً عندي بعشرة أضعاف مشتراي، مع أنها جلست عدة سنوات جامدة، يقول فتذكرت الصدقة ٥٠٠! فعلا لما دفعت عشرة أضعاف الخمسين ريالاً أصبحت خمسمائة، أنعم الله علي بمثلها عشرة أضعاف الأرض فكسبت عشرات الملايين، وهذا مصداق الآية، قال تعالى: «مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ».

والعطاء والبذل ليس له صورة واحدة، وعمل واحد محدد بل هو أنواع شتى من مال، وعلم، وجهد، ورأي، وشعور وإحساس، ودعاء وغيرها.. يحرك ذلك في الإنسان الشعور به وحركة القلب بمعانيه، يحكي لي أحد الأقارب أن في حيهم رجلاً كبير السن يمر يومياً على صناديق القمامة فيفتش فيها ويجمع الطعام، ثم يفرزه، فالصالح يذهب به للفقراء، وغيره يذهب به للحيوانات، يعمل ذلك كل مساء، ومرة يلقونه متعلقاً بصندوق القمامة لأنه قصير، والصندوق طويل! فما الذي حداه لفعل ذلك مع كفايته وغناه وكبر سنه؟ إنه الشعور بعظم النعمة والخوف من بطرها، ورحمته بالناس والحيوانات وذلك حقيقة من حقائق الإيمان ومظهر من مظاهر الإسلام.

وأحياناً يأتي الشيطان أو أعوانه من الإنس ليثقلوا على المرء فعل ذلك من صدقة أو معروف، إما إخافة من الفقر أو كلام الناس أو غيره، فالمؤمن العاقل لا يلتفت لهذه الوسوسات ولا المثبطات قال تعالى: «الشيطان يعدكم الفقر...».

وأذكر قصة لطيفة في هذا المعنى تروى عن الشيخ صالح بن أحمد الخريصي رحمه الله، قاضي بريدة من ١٣٨٤هـ حتى ١٤١٤هـ والذي توفي عام ١٤١٥هـ أنه مرة أراد أن يدخل المسجد وكان هناك سائل عند بابه وكعادته معه «صرْف ريالات وعشرات» فأخرج واحدة وكان معه معاونوه وبعض طلابه وأحدهم لصيق به والشيخ حينها أخرج ١٠٠ ريال فأعطاها الفقير والشيخ لا يركز بذلك كثيرا، فقال: يا شيخ لقد أعطيته ١٠٠ خلاف عادتك فربما غلطت، فقال قولة شهيرة: «الشيطان ما يحتاج من يعينه» فسكت الصاحب، ومضى الشيخ وبقيت قصة تروى ودرسا يتجدد، تبلى الأجساد ويزول الناس ويبقى المعروف يتكلم بلسان طيب يجدد سيرة أصحابه ويستجلب لهم الدعاء والذكر الجميل!

الله أعطاك فابذل من عطيته

  فالمال عاريّة.. والعمْر رحالُ

المال كالماء إِنْ تحبس سواقِيَه

 يأسن وإن يجرِ يعذب منه سلسالُ


 











 

            

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ عبد العزيز © 2012

 
موقع الشيخ عبدالعزيز الاحمد - للمعروف.. لسان