المقالات


طفلٌ.. يرتحل نبياً

تخيل لو كنت في مجمع رسمي أو كبير.. وحانت غفلة منك أو انشغال فاهتبلها طفل فأعاقك أو أمسك بك، ما ردة الفعل حينئذ؟! بل لنتأمل أحيانا بعض الآباء أو المصلين في البيت أو المدرسة حينما يسمع ضجة أو جلبة، يتضايق ويصرخ محتجاً أو معاقباً، وربما هذا الطفل أو ذاك لم يتجاوز الخامسة أو السابعة! هذا الطفل لم يستوعب بعد جوانب المحيط، وحقوق المكان الكبرى، إنما فقط يعرف أن هؤلاء مجتمعون لعزيمة أو زيارة أو أي شيء وهو اجتمع معهم ليلعب ويمتع نفسه هكذا حاجته.

عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي إِحْدَى صَلاتَيْ الْعِشَاءِ وَهُوَ حَامِلٌ حَسَنًا أَوْ -حُسَيْنًا، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَوَضَعَهُ ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلاةِ-، فَصَلَّى فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلاتِهِ [أي في أثناء صلاته] سَجْدَةً أَطَالَهَا، قَالَ أَبِي: فَرَفَعْتُ رَأْسِي وَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَرَجَعْتُ إِلَى سُجُودِي، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلاةَ قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلاتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ، أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ، قَالَ: «كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي [أي ركب على ظهري] فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ».

فهنا يلاحظ ثلاثة أشياء: أولاً؛ أنهم في صلاة وهي عبادة عظيمة. ثانياً؛ أن الإمام النبي -صلى الله عليه وسلم- أعظم الناس قدراً. ثالثاً؛ أن الفعل لطفل يلعب ويلهو، ومع كل هذه المقامات؛ مسجد وصلاة ونبي كلها تقف لمصلحة طفل وتتفاعل النفوس لأجل رغبة «لعب» لدى أحد أطفال المسجد!

فما بال القارئ العزيز بأناس أقل قدراً، وليسوا في مسجد أو صلاة! أليس من الأحرى إعطاء الطفل راحته ليمارس طفولته ولتبرز شخصيته، فالطفل لديه حاجات يريد تلبيتها وقضاءها.. فإن أجّلت اضطربت نفسيته فتضطرب حياته..

وكما للطفل حاجات فلبعض الأفراد في الأسرة متطلبات وفق أعمارهم وأوقاتهم وشخصياتهم.. كالزوجة والفتيان والفتيات الصغيرات، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب، فإمّا سألت النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-، وإمّا قال: «تشتهين تنظرين؟» فقلت: نعم، فأقامني وراءه خدّي على خدّه، وهو يقول: «دونَكم يا بني أرفِدة». حتّى إذا مللت قال: «حسبك؟»، قلت: نعم. قال: «فاذهبي».  وفي رواية قالت عائشة -رضي الله عنها- بعد روايتها: «فاقدروا قدر الجارية العربة حديثة السن الحريصة على اللهو»، وتعليق أمنا عائشة -رضي الله عنها- يشير إلى فقهها المربي للأمة بأن يقدر المربي حاجات من حوله ويستحضر أنواع شخصياتهم، ومراحل أعمارهم، وتلبية حاجاتهم فذلك أنجع في التربية وأقوى في التأثير وأدوم للألفة.. ومن ثم ينتج نفوسا طيبة وأسرا سعيدة ومجتمعا إيجابياً.



 











 

            

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ عبد العزيز © 2012

 
موقع الشيخ عبدالعزيز الاحمد - طفلٌ.. يرتحل نبياً