المقالات


في ضيافة العزيز ياشيخ عبدالعزيز

بقلم محبك: عبدالعزيز بن عبدالله الأحمد

صوت.. درجت على سماعه في طفولتي في رمضان نهاية التسعينات الهجرية، وبالذات في صيف ١٣٩٧هـ، يتهادى مع سكون الليل بحضور كبير بالمئات وربما الآلاف وخاصة في ليالي القيام للعشر الأخيرة .. يرتل الآي  .. فتتجاوب نفسك معها حتى إذا جذب القلب  التقطه بنبرة أرفع .. فيرتفع الإحساس للسماء، وقبيل ختام الركعة يرفع الصوت فكأن الله يخاطبك مباشرة.

كان يطيل القيام والسجود، حتى أذكر مرة لطول سجوده أخذني النوم فما أفقت إلا بيد أخي الشقيق الدكتور محمد تشعرني بانتهاء الصلاة وأذكر ردهات مسجد العقيلي بجوار بيتنا في طريق الملك عبد العزيز" الخبيب سابقاً، بناء مسلح له حوش خلفي مرمل، وفناء متقدم له درج أعلى، وقبو سفلي "خلوة"، ويصلون من الازدحام في سطح المسجد

ومرت السنوات حتى انتقل لمسجد الراشد ثم مسجد الذياب حتى استقر به المقام بمسجده بجوار بيته بالرفيعة، كنت أُعجب بصوته وقراءته وأدائه، وحضور قلبه وسمته، ولما أتت التسجيلات والنت شرقت قراءته وغربت

التقيته عدة مرات فكان يقول لي: "سيّر علينا" فأعده وعداً حسناً لكنه رحل ولم أملأ عيني منه رؤية ولم أُشبع قلبي بحلاوة جلسته الجميلة، وكم من محبوب في دنيانا نبخل عليه وعلى أنفسنا بجلسات شهرية أو سنوية تشبع العين والقلب

نعم، لازال في قلبي حسرة لأقارب وأفاضل كنت أمني النفس بزيارة لهم أطول، لكنهم رحلوا، والموفق من سارع بسرقة بعض ساعات أسبوعه أو شهرة بجلسات أحبابه، قبل رحيلهم؛ فإن الندم بعده يأكل القلب؛ فاشبعوا من أحبابكم وهم بين أيديكم

رأيته مرة قبل ١٠ سنوات وكنت ماراً بحي غنّامه

على طريق الملك خالد وإذ هو يغسل سيارته بالمغسلة وجالس بكرسي جانبي ، معه مصحف حجمه صغيره يقرأ ويراجع، فسلمتُ فرحب ولزم فاعتذرت ووعدته خيرا ولكن لم يتيسر، ومرة قبل ٦ سنوات لقيته بزواج فكان بشوشاً مسلماً معدود الكلام ويوم السبت الثاني والعشرون من شهر صفر لعام ١٤٣٩هـ كعادته أتى وفتح المسجد قبل الفجر بنصف ساعة وأشعل الانوار وانتظر الصلاة وصلى بالناس ثم مكث قليلا وانصرف لبيته وتناول ما تيسر من قهوة وتمر ، ولأنه يوم إجازة ليس فيه إيصال أولاده لمدارسهم، أراح نفسه قليلاً، وقبيل الظهر بساعة قام ليتوضأ ويتنفل ويجلس لترتيل القرآن هذا ما يشهد عليه من حوله، ويشاهدونه عليه، لكن يوم السبت كان مختلفا هذه المرة  لما قام ليتجهز لصلاته ببيت مسجده أتاه الأجل وهو ينطف بماء الوضوء متشهداً .. فسقط مبللاً بالماء على وجهه. مودعا الدنيا القصيرة التي ملأها بسيرته وأخلاقه وتلاوته عن عمر ٧٤ عاما، ليرحل في ضيافة أرحم الراحمين. كنت إذا رأيته شبهته بالشيخ صالح الرشيد الفرج بالشكل والأخلاق والسمت والمنطق، وإذا رأيت الشيخ صالح رحمه الله تذكرت الشيخ عبد العزيز، والعجيب أن كليهما ماتا بهدوء وهما نشيطان وقت الظهيرة أو قبلها، وكلاهما سقطا مباشرة فلم يَتعبا، ولم يُتعبا. رحلا خفيفين زاهدين. صاحبين للقرآن

أبو عبد الله.. ذو الصمت المتكلم، والترتيل المؤثر. رحل مضمخ بأطياب القرآن .. وسجدات الصلاة .. وصحبة الذكر في السحر 
نعم .. سيفقده المحراب .. وأبواب مسجده الذي طالما فتحه قبيل الفجر  ، سيفقده جيرانه وجماعته الذين طالما سمعوا ترتيله من مسجده أو من بيته .. 
سيفقده المهمومون الذين يستشيرونه أو يطلبون قراءته ورقيته.. سيفقده رمضان وتراويحه وقيامه .. سيفقده أهله وزوجه وأولاده.. ومحبوه... سأفقده أنا عبدالعزيز  .. فكم أحببته وأحببت تلاوته فما أثر فيَّ من القراء مع جلالة قدرهم وتميزهم وهم كثير مثل الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله العيدان في صغري، والشيخ محمد بن صديق المنشاوي في فتوتي .. ستبقى قراءته وأخباره تحكي آثاره

حَيِّ المَنَازِلَ إذْ لا نَبْتَغي بَدَلاً
بِالدارِ داراً وَلا الجِيرَانِ جِيرَانَا

لا بَارَكَ اللهُ في الدُّنيا إذا انقَطَعَتْ 
أسبابُ دُنياك مِنْ أسبابِ دُنــيانـــا

أبُـــــدَّلَ اللّـــيــــلُ؟ لا تَسرِي كَــوَاكبُــــهُ 
أمْ طالَ حتى حسِبتُ الـــنجـمَ حَيرانـا؟

لكن عزائي هو ذرية صالحة باقية من عقبه من بنين وبنات، وثروته العظيمة بقراءاته وتسجيلاته الصوتية الجميلة التي بقيت محفوظة ولو رحل جسده لتبقى لنا ذكرى موصولة به.. وأجر يجري له إلى يوم القيامة.. فمع كل آية سأسمعها بترتيله سيبقى حيا في قلبي بدعوتي وعبرتي..

وشتان من يبكي على غير عِرفةٍ

جِزافا ومن يبكي لعهد تصرما

لعمري لقد غال الردى من أُحبُّه

وكان بودِّي أن أموتَ ويسلما

وإن كان قلبي والعيدان رحلا سويا فوق العيدان في ذلكم اليوم المشهود... فاللهم ياحي وياقيوم ياذا الجلال والاكرام إن عبدك عبدالعزيز قد أحب كلامك وحفظه ورتله وأم به وعلمه وربى طلابه عليه .. وكان هجيراه وسميره وصديقه بالليل والنهار .. اللهم ارفعه بالقرآن واجعله شافعا له ولوالديه وذريته وأنله رضوانك وأعلى جنانك واجعل حظه الفردوس الأعلى واجمعه مع أنبيائك ورسلك والشهداء والصالحين ولاتفتنا بعده واجمعنا به في جنان الخلد مع والدينا ووالديه 



 











 

            

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ عبد العزيز © 2012

 
موقع الشيخ عبدالعزيز الاحمد - في ضيافة العزيز ياشيخ عبدالعزيز