المقالات


إيجابيون: حين تصنع الكلمة.. إنساناً!

 

يسير المرء في هذه الحياة، تقابله نظرة تربّيه، وتهزه كلمة يسمعها، ويستوقفه حدث يراه، فيشق طريقه في النفس لتوجيه عقله وقلبه لتحقيق معاني القيم والنبل، وبناء الشخصية الإنسانية، إيجابية كانت أو سلبية!
ويزداد ثقل هذا الأمر بجلاء، على الشخص الكبير- من والد وغيره- يلقي الكلمة، ويؤدي الموقف- وربما لا يلقي له بالاً- لكنه يحفر في نفسية الطفل بشكل لا يتخيله، فتنشأ من ذلك الموقف قيم وأفكار يبني عليها الصغير مبادئه، ومثل ذلك الكلمات السلبية والقاتلة، والمواقف القاسية التي لها أثرها السلبي على من قيلت له، وتظل تدمر ذات الإنسان وتغرس فيه (أنا) سلبية ورؤية قاتمة.
المعلم يصنع طالبه بمواقف بسيطة وكلمات معدودة! نعم مرحلة انتهت من الحياةيقال في بعض الدراسات الغربية، إنّ هناك جانباً في المخ قد يكون مسؤولاً عن التجارب والكلمات المؤلمة التي يتعرض لها الإنسان، وهذا الجزء من المخ يحسن قدرة الإنسان على التكيف مع الجماعات والثقافات، كما أنه مسؤول عن رد الفعل على الألم الذي له علاقة بالجماعة، وأنّ تأثير الكلمة المؤلمة أشدّ وقعاً من الألم البدني، وأثره على النفس يمتد لسنوات طويلة تؤثر سلوك الإنسان أحياناً.
في عالم الكلمات والمواقف الإيجابية، لا أزال أذكر عدداً كبيراً من الكلمات والمواقف التي تركت أثراً إيجابياً في حياتي، أذكر منها مرة حين كنتُ في الثانية عشرة من عمري، أردد بعض القصائد التي نحفظها في المدرسة، وكانت تطرق مسامع والدي- رحمه الله- وهو بجواري، فناداني بتلطف، وقال: "يا وليدي.. ما تردده طيب، لكن ليتك تجعل اهتمامك الأكبر للقرآن الكريم، فهو خير لك ورفعة في الدنيا والآخرة"، كان موقفاً عابراً، لكنه عبر إلى أعماقي، وابتداء ذلك الموقف وُجدتُ كقارئ للقرآن الكريم.
وقريب من الموقف السابق في العمر نفسه، يوم كنا نصلي مع والدي وإخوتي في جامع "ابن مساعد" في بريدة، والذي يؤمه الشيخ صالح السكيتي- رحمه الله-، كنت أصحب الوالد فأجلس بجواره وقريباً من الشيخ صالح؛ فأقرأ القرآن وأحاول الترتيل، يومها نظر إليَّ الشيخ ثم اقترب مني وسأل: ما اسمك يا بني؟ فأخبرته، فمازحني وهو يربت على كتفي بتشجيع قائلاً: قراءتك جميلة. موقف مرّ عليه عشرات الأعوام وهو في خاطري لم يزل! كان الشيخ الجليل يعطي قيمة للفتى الصغير، ليصنع من الموقف قيمة راسخة!
ومن المواقف الجميلة الراسخة، لما كنتُ في المرحلة المتوسطة في المعهد العلمي، كان يعلمنا النحو الأستاذ الشاعر الخلوق العذب 'عبدالعزيز الزهيري' حفظه الله ووفقه، فكان يدخل علينا يومياً مبتسماً مسلماً، ثم مباشرة يتجه للنافذة فيفتحها في وقت الربيع ويقول: 'الله ما أجمل اليوم! وما أرقّ الهواء! إنها إيام الربيع تجمُل بكم.. هيا أحبابي افتحوا أنفسكم لهذا الجمال والخضرة"، ثم يقبل علينا والبسمة تملأ ثغره فيقيم طالبين أو ثلاثة يسأل ويعين الطالب ويشكر، معلمنا.. لا أذكر أنّه حطم طالباً أو كسر قلبه، ولذا أحببناه وأحببنا مادة النحو، وكان دخوله علينا من أسعد أوقاتنا.. فقد كسب قلوبنا ببسمته الجميلة، وتعبيره اللطيف عن الأجواء، وإحداث حركة إيجابية في الفصل، وتعامله الراقي معنا، بل بسمته تلك علمتني التفاؤل في الحياة والإقبال عليها، علمتني أن أتلمّس التعابير المنعشة والتغيير الإيجابي، رأيت ذلك في طريقة دخوله، فتح النوافذ، الكتابة على السبورة، وكيفية اختيار الألفاظ! علمني أن المعلم يصنع طالبه بمواقف بسيطة وكلمات معدودة! نعم مرحلة انتهت من الحياة، وافترقنا، لكن تلك المرحلة ما زالت آثارها حية تتعاظم، وصورته لم تغب عن عيني أبداً، وقد مرّ على تدريسه لي أكثر من 30 عاماً، لكنه ما زال في الذاكرة!
إنّ هذه المواقف والكلمات التي مرت عليَّ حفرت في نفسي معاني جميلة ظلت طوال تلك المرحلة تعمل عملها، وهذا من توفيق الله لي أنّ سخر لي فيمن حولي ممن (هُدُوا إلى الطيب من القول)، إن الصغير والكبير تصنع نفسه الكلمات والمواقف، كما يبني جسمه الطعام والشراب، فكلما كانت الكلمات والمواقف صحية وغنية وملهمة؛ أنتجت شخصية طيبة إيجابية موهوبة متفاعلة، ولاحظوا واسألوا من خاض غمار الحياة، ونجح وأثَّر، رجلاً كان أو امرأة، صنعته في صغره- بعد الله- كلمات ومواقف، كانت قواعد لشخصيته، بناها الوالدان والمربون، فلا تحقروا أي كلمة، ولاتتساهلوا بأي موقف، فهما لبنات الحياة، وجذور الشخصية.
تويتر @a_alahmaad

يسير المرء في هذه الحياة، تقابله نظرة تربّيه، وتهزه كلمة يسمعها، ويستوقفه حدث يراه، فيشق طريقه في النفس لتوجيه عقله وقلبه لتحقيق معاني القيم والنبل، وبناء الشخصية الإنسانية، إيجابية كانت أو سلبية!

ويزداد ثقل هذا الأمر بجلاء، على الشخص الكبير- من والد وغيره- يلقي الكلمة، ويؤدي الموقف- وربما لا يلقي له بالاً- لكنه يحفر في نفسية الطفل بشكل لا يتخيله، فتنشأ من ذلك الموقف قيم وأفكار يبني عليها الصغير مبادئه، ومثل ذلك الكلمات السلبية والقاتلة، والمواقف القاسية التي لها أثرها السلبي على من قيلت له، وتظل تدمر ذات الإنسان وتغرس فيه (أنا) سلبية ورؤية قاتمة.

المعلم يصنع طالبه بمواقف بسيطة وكلمات معدودة! نعم مرحلة انتهت من الحياةيقال في بعض الدراسات الغربية، إنّ هناك جانباً في المخ قد يكون مسؤولاً عن التجارب والكلمات المؤلمة التي يتعرض لها الإنسان، وهذا الجزء من المخ يحسن قدرة الإنسان على التكيف مع الجماعات والثقافات، كما أنه مسؤول عن رد الفعل على الألم الذي له علاقة بالجماعة، وأنّ تأثير الكلمة المؤلمة أشدّ وقعاً من الألم البدني، وأثره على النفس يمتد لسنوات طويلة تؤثر سلوك الإنسان أحياناً.

في عالم الكلمات والمواقف الإيجابية، لا أزال أذكر عدداً كبيراً من الكلمات والمواقف التي تركت أثراً إيجابياً في حياتي، أذكر منها مرة حين كنتُ في الثانية عشرة من عمري، أردد بعض القصائد التي نحفظها في المدرسة، وكانت تطرق مسامع والدي- رحمه الله- وهو بجواري، فناداني بتلطف، وقال: "يا وليدي.. ما تردده طيب، لكن ليتك تجعل اهتمامك الأكبر للقرآن الكريم، فهو خير لك ورفعة في الدنيا والآخرة"، كان موقفاً عابراً، لكنه عبر إلى أعماقي، وابتداء ذلك الموقف وُجدتُ كقارئ للقرآن الكريم.

وقريب من الموقف السابق في العمر نفسه، يوم كنا نصلي مع والدي وإخوتي في جامع "ابن مساعد" في بريدة، والذي يؤمه الشيخ صالح السكيتي- رحمه الله-، كنت أصحب الوالد فأجلس بجواره وقريباً من الشيخ صالح؛ فأقرأ القرآن وأحاول الترتيل، يومها نظر إليَّ الشيخ ثم اقترب مني وسأل: ما اسمك يا بني؟ فأخبرته، فمازحني وهو يربت على كتفي بتشجيع قائلاً: قراءتك جميلة. موقف مرّ عليه عشرات الأعوام وهو في خاطري لم يزل! كان الشيخ الجليل يعطي قيمة للفتى الصغير، ليصنع من الموقف قيمة راسخة!

ومن المواقف الجميلة الراسخة، لما كنتُ في المرحلة المتوسطة في المعهد العلمي، كان يعلمنا النحو الأستاذ الشاعر الخلوق العذب 'عبدالعزيز الزهيري' حفظه الله ووفقه، فكان يدخل علينا يومياً مبتسماً مسلماً، ثم مباشرة يتجه للنافذة فيفتحها في وقت الربيع ويقول: 'الله ما أجمل اليوم! وما أرقّ الهواء! إنها إيام الربيع تجمُل بكم.. هيا أحبابي افتحوا أنفسكم لهذا الجمال والخضرة"، ثم يقبل علينا والبسمة تملأ ثغره فيقيم طالبين أو ثلاثة يسأل ويعين الطالب ويشكر، معلمنا.. لا أذكر أنّه حطم طالباً أو كسر قلبه، ولذا أحببناه وأحببنا مادة النحو، وكان دخوله علينا من أسعد أوقاتنا.. فقد كسب قلوبنا ببسمته الجميلة، وتعبيره اللطيف عن الأجواء، وإحداث حركة إيجابية في الفصل، وتعامله الراقي معنا، بل بسمته تلك علمتني التفاؤل في الحياة والإقبال عليها، علمتني أن أتلمّس التعابير المنعشة والتغيير الإيجابي، رأيت ذلك في طريقة دخوله، فتح النوافذ، الكتابة على السبورة، وكيفية اختيار الألفاظ! علمني أن المعلم يصنع طالبه بمواقف بسيطة وكلمات معدودة! نعم مرحلة انتهت من الحياة، وافترقنا، لكن تلك المرحلة ما زالت آثارها حية تتعاظم، وصورته لم تغب عن عيني أبداً، وقد مرّ على تدريسه لي أكثر من 30 عاماً، لكنه ما زال في الذاكرة!

إنّ هذه المواقف والكلمات التي مرت عليَّ حفرت في نفسي معاني جميلة ظلت طوال تلك المرحلة تعمل عملها، وهذا من توفيق الله لي أنّ سخر لي فيمن حولي ممن (هُدُوا إلى الطيب من القول)، إن الصغير والكبير تصنع نفسه الكلمات والمواقف، كما يبني جسمه الطعام والشراب، فكلما كانت الكلمات والمواقف صحية وغنية وملهمة؛ أنتجت شخصية طيبة إيجابية موهوبة متفاعلة، ولاحظوا واسألوا من خاض غمار الحياة، ونجح وأثَّر، رجلاً كان أو امرأة، صنعته في صغره- بعد الله- كلمات ومواقف، كانت قواعد لشخصيته، بناها الوالدان والمربون، فلا تحقروا أي كلمة، ولاتتساهلوا بأي موقف، فهما لبنات الحياة، وجذور الشخصية.

 

تويتر @a_alahmaad

 



 











 

            

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ عبد العزيز © 2012

 
موقع الشيخ عبدالعزيز الاحمد - إيجابيون: حين تصنع الكلمة.. إنساناً!