المقالات


سرّ «حقيبة ابنتي»

 

في حياتنا.. فيما نلاقي من تعامل جاف، وما نشاهد من مواقف محبطة، وبما نسمع من قصص غريبة، نتخيل أحياناً أن الناس سيئون، وأنّ الحياة بئيسة..لكن الصورة في مجملها ليست كذلك، ففي الحياة ما زالت هناك صور جميلة، وفي الناس ما فتئت توجد الشخصيات الرائعة.
تداعت هذه الخواطر؛ حينما رجعت من رحلة مع أسرتي قبل 3 سنوات من الدمام، حين كنّا على الطريق البري، لاحظنا سقوط حقيبة من سقف سيارتنا وقد شددنا حمولتنا فوقها، فرجعنا إليها، فتفاجأنا أن هناك حقيبة أخرى لابنتي قد سقطت قبلها ولم ننتبه لها، فحزنت ابنتي لها وتأثرت ففيها أغراضها الخاصة، فضلاً عن مشتريات جديدة ومقتنيات ثمينة، رجعنا أدراجنا فلم نجد لها أثراً وسألنا وما من إجابة مطمئنة، شددنا «العفش جيدا» وانطلقنا للرياض، وأخبرت نقطة التفتيش القريبة وأعطيتهم رقم هاتفي لعل أحداً يوصلها لهم.
في الطريق لاحظنا تأثر ابنتي، صبّرتها وقلت الحمد لله الخطب يسير، وحثثتها أن تدعو بالدعاء: (اللهم يا راد الضالة رد علي ضالتي.. اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها).
من تداعيات هذا الحزن، أنْ اقترح أحد الأبناء اقتراحاً جميلاً فقال: ما رأيكم أنّ كل واحد يدفع مبلغاً ونهديه لأختي؟، وفعلاً جمعنا مبلغاً طيباً، خفف عنها قليلاً، وبدأنا نفكر كيف سقطت؟ ومن أخذها؟ ومتى؟ أسئلة متكررة لم نجد لها جواباً..! 
سرنا حتى وصلنا الرياض، كان ذلك في يوم الخميس، وفي يوم السبت العاشرة صباحاً.. طلب أمن الهيئة الملكية بالجبيل زوج ابنتي، وكان في عمله، وسأله: هل فقدت شيئا هذه الأيام؟ قال: نعم حقيبة لزوجتي! قال: إذن تفضل! أتى رجل يسوق شاحنة ويريد تسليم الحقيبة لك!
أخبرني زوج ابنتي بما حدث لاحقاً، فيقول: استبعدت الأمر ولم أصدقه! أخذت نفسي وذهبت مسرعا إليهم، فأتيت موظف الأمن وإدارتهم، وإذ بشاحنة واقفة بجوار البوابة، وعندهم شاب في نهاية عقد الأربعين متلألئ الوجه.. يعلوه جد وسماحة، فرحب بي وسلم وسألني عن اسمي، وماذا فقدت وما طبيعة الأشياء، فأخبرته، وللتأكيد اتصلت بزوجتي لأخذ المعلومات جيداً كنوع الحقيبة ولونها، فذهب وأنزلها من الشاحنة، وقال: تفضل أرجعها الله إليك! ثم قال: يا أخي «المال الحلال ما يضيع» بل يحفظه الله.
يقول سائق الشاحنة: كنت في طريقي من الإمارات للدمام، فوجدت حقيبة في الطريق والسيارات تمر عنها يمنة ويسرة، فتوقفت وأخذتها وأنا أنوي البحث عن صاحبها، فتوقفت قليلاً فلم يأت أحد؛ فقلت لعلي أفتح جيب الحقيبة فوجدت ورقة؛ هي صورة لدفتر العائلة فيها الاسم ومكان العمل «الهيئة الملكية في الجبيل»، فسألت عن مكان هذه الهيئة، فقالوا إنهّا قريبة من الدمام، وكان ذلك عصر الخميس، ذهبت للدمام ووصلتها فجر الجمعة وبت عند أصحاب لي، وأخذت منهم وصف الهيئة الملكية في مدينة الجبيل الصناعية، ومشيتُ صباح السبت فلما وصلت سألتهم حتى وصلوا إليك.
يقول زوج ابنتي، إنّه أخرج له مبلغاً من المال فلما همّ بإعطائه غضب عليه سائق الشاحنة، وقال: يا أخي هذا من الأمانة، وهي من أخلاق الأنبياء، وقد رباني أبي أن أحسن للناس ولا اخذ على الإحسان شيئاً، يا عبد الله، أنا في حفظي لأمانتكم وبحثي عنكم، أمثل بها قيماً تربيت عليها وأطبق تعاليم ديني، وأمارس ما أنشأني عليه والداي، ولم أرض أن أسلمها إلا بيدك لأني أنا من التقطها ولا أضمن أحدا يوصلها.
هذا الرجل هو سوري من منطقة اسمها الرستن، لكنه رفض البوح باسمه، واكتفى بإعطائنا رقم هاتفه.. وانصرف لتوصيل بضاعته إلى الرياض.
 انتهت القصة وبقي الشاهد منها، وهو في عظمة الأخلاق والإيمان التي تتجسد في أي شخص، لا يلزم للمرء أن يكون عالما أو أميراً لتنبع منه هذا المروءات، فهذا سائق شاحنة مغمور، لكن أخلاقه أخلاق الأنبياء!
لنؤمن، أنّ الناس أفرادا ومجموعات ومناطق وقبائل فيهم خير كثير، فلا نعمم الأحكام أو نلغي حسناتهم لما يخطئون؛ هذا الخير يغرسه الإسلام، وتسقيه الفطرة، ويربي عليه الوالدان والمربون، لاحظوا هذا الشاب من أقاصي بلاد الشام يتمثل هذا الخلق النبيل.
وثمة درس جميل أيضاً ؛ فهذا الشاب ربى فينا خلق الأمانة وأجبرنا على الدعاء له دوما.. بل والصدقة عنه.. فالنفوس الكريمة مثله لا ترى عوضها من الدنيا، بل طمعها بما عند الله وهو الذي يبقى؛ فجزاك الله خيرا يا ابن الشام أينما كنت.. وإلى لقاء قادم.

في حياتنا.. فيما نلاقي من تعامل جاف، وما نشاهد من مواقف محبطة، وبما نسمع من قصص غريبة، نتخيل أحياناً أن الناس سيئون، وأنّ الحياة بئيسة..لكن الصورة في مجملها ليست كذلك، ففي الحياة ما زالت هناك صور جميلة، وفي الناس ما فتئت توجد الشخصيات الرائعة.

تداعت هذه الخواطر؛ حينما رجعت من رحلة مع أسرتي قبل 3 سنوات من الدمام، حين كنّا على الطريق البري، لاحظنا سقوط حقيبة من سقف سيارتنا وقد شددنا حمولتنا فوقها، فرجعنا إليها، فتفاجأنا أن هناك حقيبة أخرى لابنتي قد سقطت قبلها ولم ننتبه لها، فحزنت ابنتي لها وتأثرت ففيها أغراضها الخاصة، فضلاً عن مشتريات جديدة ومقتنيات ثمينة، رجعنا أدراجنا فلم نجد لها أثراً وسألنا وما من إجابة مطمئنة، شددنا «العفش جيدا» وانطلقنا للرياض، وأخبرت نقطة التفتيش القريبة وأعطيتهم رقم هاتفي لعل أحداً يوصلها لهم.

في الطريق لاحظنا تأثر ابنتي، صبّرتها وقلت الحمد لله الخطب يسير، وحثثتها أن تدعو بالدعاء: (اللهم يا راد الضالة رد علي ضالتي.. اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها).

من تداعيات هذا الحزن، أنْ اقترح أحد الأبناء اقتراحاً جميلاً فقال: ما رأيكم أنّ كل واحد يدفع مبلغاً ونهديه لأختي؟، وفعلاً جمعنا مبلغاً طيباً، خفف عنها قليلاً، وبدأنا نفكر كيف سقطت؟ ومن أخذها؟ ومتى؟ أسئلة متكررة لم نجد لها جواباً..! 

سرنا حتى وصلنا الرياض، كان ذلك في يوم الخميس، وفي يوم السبت العاشرة صباحاً.. طلب أمن الهيئة الملكية بالجبيل زوج ابنتي، وكان في عمله، وسأله: هل فقدت شيئا هذه الأيام؟ قال: نعم حقيبة لزوجتي! قال: إذن تفضل! أتى رجل يسوق شاحنة ويريد تسليم الحقيبة لك!

أخبرني زوج ابنتي بما حدث لاحقاً، فيقول: استبعدت الأمر ولم أصدقه! أخذت نفسي وذهبت مسرعا إليهم، فأتيت موظف الأمن وإدارتهم، وإذ بشاحنة واقفة بجوار البوابة، وعندهم شاب في نهاية عقد الأربعين متلألئ الوجه.. يعلوه جد وسماحة، فرحب بي وسلم وسألني عن اسمي، وماذا فقدت وما طبيعة الأشياء، فأخبرته، وللتأكيد اتصلت بزوجتي لأخذ المعلومات جيداً كنوع الحقيبة ولونها، فذهب وأنزلها من الشاحنة، وقال: تفضل أرجعها الله إليك! ثم قال: يا أخي «المال الحلال ما يضيع» بل يحفظه الله.

يقول سائق الشاحنة: كنت في طريقي من الإمارات للدمام، فوجدت حقيبة في الطريق والسيارات تمر عنها يمنة ويسرة، فتوقفت وأخذتها وأنا أنوي البحث عن صاحبها، فتوقفت قليلاً فلم يأت أحد؛ فقلت لعلي أفتح جيب الحقيبة فوجدت ورقة؛ هي صورة لدفتر العائلة فيها الاسم ومكان العمل «الهيئة الملكية في الجبيل»، فسألت عن مكان هذه الهيئة، فقالوا إنهّا قريبة من الدمام، وكان ذلك عصر الخميس، ذهبت للدمام ووصلتها فجر الجمعة وبت عند أصحاب لي، وأخذت منهم وصف الهيئة الملكية في مدينة الجبيل الصناعية، ومشيتُ صباح السبت فلما وصلت سألتهم حتى وصلوا إليك.

يقول زوج ابنتي، إنّه أخرج له مبلغاً من المال فلما همّ بإعطائه غضب عليه سائق الشاحنة، وقال: يا أخي هذا من الأمانة، وهي من أخلاق الأنبياء، وقد رباني أبي أن أحسن للناس ولا اخذ على الإحسان شيئاً، يا عبد الله، أنا في حفظي لأمانتكم وبحثي عنكم، أمثل بها قيماً تربيت عليها وأطبق تعاليم ديني، وأمارس ما أنشأني عليه والداي، ولم أرض أن أسلمها إلا بيدك لأني أنا من التقطها ولا أضمن أحدا يوصلها.

هذا الرجل هو سوري من منطقة اسمها الرستن، لكنه رفض البوح باسمه، واكتفى بإعطائنا رقم هاتفه.. وانصرف لتوصيل بضاعته إلى الرياض.

 انتهت القصة وبقي الشاهد منها، وهو في عظمة الأخلاق والإيمان التي تتجسد في أي شخص، لا يلزم للمرء أن يكون عالما أو أميراً لتنبع منه هذا المروءات، فهذا سائق شاحنة مغمور، لكن أخلاقه أخلاق الأنبياء!

لنؤمن، أنّ الناس أفرادا ومجموعات ومناطق وقبائل فيهم خير كثير، فلا نعمم الأحكام أو نلغي حسناتهم لما يخطئون؛ هذا الخير يغرسه الإسلام، وتسقيه الفطرة، ويربي عليه الوالدان والمربون، لاحظوا هذا الشاب من أقاصي بلاد الشام يتمثل هذا الخلق النبيل.

وثمة درس جميل أيضاً ؛ فهذا الشاب ربى فينا خلق الأمانة وأجبرنا على الدعاء له دوما.. بل والصدقة عنه.. فالنفوس الكريمة مثله لا ترى عوضها من الدنيا، بل طمعها بما عند الله وهو الذي يبقى؛ فجزاك الله خيرا يا ابن الشام أينما كنت.. وإلى لقاء قادم.

تويتر @a_alahmaad

 

 



 











 

            

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ عبد العزيز © 2012

 
موقع الشيخ عبدالعزيز الاحمد - سرّ «حقيبة ابنتي»