المقالات


«قلـْب نبي»

 

في الناس من يتميز ببعض الصفات، شكلاً أو مضموناً، خلْقاً أو أخلاقاً، أو مواهب، ينطلق في الحياة، فتتخطفه الأبصار والنفوس، فمن مبارِك، ومن متعجِّب، ومن منافس، ومن حاسد، ويزداد ذلك بروزاً؛ حينما يثني الأقربون على ذلك المتميز، فتتحرك طبيعة الإنسان منافسة أو حسداً.
إخوة يوسف، لما رأوا ذلك التميز في يوسف - عليه السلام - حاربوه وكادوا يقتلونه، مما يدل على وجود ذلك واقعا في حياة الأفراد والأسر والمجتمعات، فقد كاد الإخوة لأخيهم الصغير فكان ما كان من التآمر ثم إلقائه في البئر، وتتالت المشاهد، كاد يُقتل، وفقد الحرية، وراودته امرأة العزيز ثم سجن، ثم ابتلي بالوزارة ثم الرئاسة، لقد كان هذا الصغير يعده الله لأمر كبير، لذلك مرره بابتلاءات متعددة كل واحد أشد من سابقه!.
في الجانب الآخر تخيلوا قلب والديه ولا سيما أبوه يعقوب، وقد فقد ثمرة فؤاده! فلا يدري أحي أم ميت؟ لعشرات السنين! لكن قلبه كان مع الله، ويستند إلى الله، ويعيش بالأمل مع موعود الله، فكان متفائلاً، باذلاً للسبب: "اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه"، ومع ذلك لم يمنع نزف القلب، ودمع العين، فقد ابيضت عيناه حزناً وبكاء، وولد ذلك لدى هذا الأب إحساسا مرهفا حتى خاف عليهم جميعا من الشر والعين: «لا تدخلوا من باب واحد!».
ترى، ما كان حال ذلك الطفل والفتى والشاب والرجل؛ في تقلبات الأيام؟ وكيد القريب والبعيد؟ والرجال والنساء؟ في بداياته، كان يربي نفسه على عبادة الله، والإحسان لعباده، ورغم أنّه نبي، إلاّ أنّه لم يتمهل للحوار في جو المعصية خوفاً على دينه، هرب مسرعاً، وكان مشهداً عظيماً يحكي العفة والوفاء لمن يعمل معه!.
ورغم تشويه السمعة والحرب النفسية صبر على القذف والظلم، وبعد سنيات، يخرج عزيزاً مبجلاً، بسبب علمه وحكمته وحنكته وإحسانه، فقد كان محسنا بعلمه للعزيز، وتأويله ودعوته للسجناء، ثم أتى من حاربوه بعد سنوات البعد والفقر والحاجة فماذا كان؟! وجدوا العز، والإيمان، والصبر، والعفو، والإحسان، والعلم، والحرص على الصلة، ومراعاة النفوس، عليه الصلاة والسلام!.
حتى في المشاعر لم يرد خدش عواطفهم، وراعى مشاعر إخوانه: ((قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل، فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم، قال أنتم شر مكاناً))، مع ما عملوه سابقا وما قالوه الآن في حقه، زوّر في نفسه كلاماً عنهم لكنه كتمه وكظمه محافظة على لحمة الأسرة، وتحصيل أجر الحلم والعفو، أي قلب هذا؟! إنسان سُرق ورمي، واستعبد وفقد الوالدين والمرابع، وفقد كل شيء، يقابلهم بتلك النفس العالية السامية: ((لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم))، لكن مواجيد الابن تبكي على فراق الأب الملتاع، لذلك يوجههم: خذوا بعض ملابسي، مجرد شمة واحدة تعيد الحياة لذلك القلب الذي حزن أكثر من 30 عاماً أو تزيد!.
ثم يكون المشهد المجلجل حين يأتي الإخوة معترفين ويتقدمهم الوالدان ويسجدون، فينطلق ذلك اللسان «اليوسفي» الذي طالما سبح وهلل ودعا، وأحسن وعفا، شاكرا لله، أن جمع الشمل، ويعرض صفحا عن الماضي، ولا يذكر سوى مشاهد الإحسان والإيجابية في حياته.
ثمّ يلمّح للبعد الذي حصل بسبب الشيطان مبتدئا بنفسه قبل إخوتي، ((وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزع الشيطان بيني وبين إخوتي))!
ويرى هذا الكريم أن ما حصل له من التغيرات والتقلبات والابتلاءات من لطف الله: ((إن ربي لطيف لما يشاء))، وبعد هذا العز الإيماني والدنيوي، هل كان مطلبه الترفع والسؤدد والملك؟ أم خرج هتافه من أعماق أعماق روحه، وزالت أمامه المناصب والأموال والوزارات والدنيا كلها، فانطلق بدعاء مجلجل عظيم، طالبا ذلك الشأن المصيري الخطير وهو الهدف الأكمل: ((توفني مسلما)).
وتنتهي مشاهد الإيجابية عند هذا الموقف العجيب، فهل أتعجب من صبر يوسف وتقواه وعفته وإحسانه؟ أم أتعجب من دعوة يعقوب وأمله وتفاؤله ومشاعره؟ أم أتعجب من تلك الحرب الكيدية التي انتهت بالاعتراف: «استغفر لنا ذنوبنا».. إنها أسرة الكرماء، فكان يوسف 'الكريم ابن الكريم ابن الكريم'، وفعلا لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين وعبرة للمعتبرين، وأنموذج للإيجابيين.  وإلى لقاء قادم..

في الناس من يتميز ببعض الصفات، شكلاً أو مضموناً، خلْقاً أو أخلاقاً، أو مواهب، ينطلق في الحياة، فتتخطفه الأبصار والنفوس، فمن مبارِك، ومن متعجِّب، ومن منافس، ومن حاسد، ويزداد ذلك بروزاً؛ حينما يثني الأقربون على ذلك المتميز، فتتحرك طبيعة الإنسان منافسة أو حسداً.

إخوة يوسف، لما رأوا ذلك التميز في يوسف - عليه السلام - حاربوه وكادوا يقتلونه، مما يدل على وجود ذلك واقعا في حياة الأفراد والأسر والمجتمعات، فقد كاد الإخوة لأخيهم الصغير فكان ما كان من التآمر ثم إلقائه في البئر، وتتالت المشاهد، كاد يُقتل، وفقد الحرية، وراودته امرأة العزيز ثم سجن، ثم ابتلي بالوزارة ثم الرئاسة، لقد كان هذا الصغير يعده الله لأمر كبير، لذلك مرره بابتلاءات متعددة كل واحد أشد من سابقه!.

في الجانب الآخر تخيلوا قلب والديه ولا سيما أبوه يعقوب، وقد فقد ثمرة فؤاده! فلا يدري أحي أم ميت؟ لعشرات السنين! لكن قلبه كان مع الله، ويستند إلى الله، ويعيش بالأمل مع موعود الله، فكان متفائلاً، باذلاً للسبب: "اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه"، ومع ذلك لم يمنع نزف القلب، ودمع العين، فقد ابيضت عيناه حزناً وبكاء، وولد ذلك لدى هذا الأب إحساسا مرهفا حتى خاف عليهم جميعا من الشر والعين: «لا تدخلوا من باب واحد!».

ترى، ما كان حال ذلك الطفل والفتى والشاب والرجل؛ في تقلبات الأيام؟ وكيد القريب والبعيد؟ والرجال والنساء؟ في بداياته، كان يربي نفسه على عبادة الله، والإحسان لعباده، ورغم أنّه نبي، إلاّ أنّه لم يتمهل للحوار في جو المعصية خوفاً على دينه، هرب مسرعاً، وكان مشهداً عظيماً يحكي العفة والوفاء لمن يعمل معه!.

ورغم تشويه السمعة والحرب النفسية صبر على القذف والظلم، وبعد سنيات، يخرج عزيزاً مبجلاً، بسبب علمه وحكمته وحنكته وإحسانه، فقد كان محسنا بعلمه للعزيز، وتأويله ودعوته للسجناء، ثم أتى من حاربوه بعد سنوات البعد والفقر والحاجة فماذا كان؟! وجدوا العز، والإيمان، والصبر، والعفو، والإحسان، والعلم، والحرص على الصلة، ومراعاة النفوس، عليه الصلاة والسلام!.

حتى في المشاعر لم يرد خدش عواطفهم، وراعى مشاعر إخوانه: ((قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل، فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم، قال أنتم شر مكاناً))، مع ما عملوه سابقا وما قالوه الآن في حقه، زوّر في نفسه كلاماً عنهم لكنه كتمه وكظمه محافظة على لحمة الأسرة، وتحصيل أجر الحلم والعفو، أي قلب هذا؟! إنسان سُرق ورمي، واستعبد وفقد الوالدين والمرابع، وفقد كل شيء، يقابلهم بتلك النفس العالية السامية: ((لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم))، لكن مواجيد الابن تبكي على فراق الأب الملتاع، لذلك يوجههم: خذوا بعض ملابسي، مجرد شمة واحدة تعيد الحياة لذلك القلب الذي حزن أكثر من 30 عاماً أو تزيد!.

ثم يكون المشهد المجلجل حين يأتي الإخوة معترفين ويتقدمهم الوالدان ويسجدون، فينطلق ذلك اللسان «اليوسفي» الذي طالما سبح وهلل ودعا، وأحسن وعفا، شاكرا لله، أن جمع الشمل، ويعرض صفحا عن الماضي، ولا يذكر سوى مشاهد الإحسان والإيجابية في حياته.

ثمّ يلمّح للبعد الذي حصل بسبب الشيطان مبتدئا بنفسه قبل إخوتي، ((وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزع الشيطان بيني وبين إخوتي))!

 

ويرى هذا الكريم أن ما حصل له من التغيرات والتقلبات والابتلاءات من لطف الله: ((إن ربي لطيف لما يشاء))، وبعد هذا العز الإيماني والدنيوي، هل كان مطلبه الترفع والسؤدد والملك؟ أم خرج هتافه من أعماق أعماق روحه، وزالت أمامه المناصب والأموال والوزارات والدنيا كلها، فانطلق بدعاء مجلجل عظيم، طالبا ذلك الشأن المصيري الخطير وهو الهدف الأكمل: ((توفني مسلما)).

وتنتهي مشاهد الإيجابية عند هذا الموقف العجيب، فهل أتعجب من صبر يوسف وتقواه وعفته وإحسانه؟ أم أتعجب من دعوة يعقوب وأمله وتفاؤله ومشاعره؟ أم أتعجب من تلك الحرب الكيدية التي انتهت بالاعتراف: «استغفر لنا ذنوبنا».. إنها أسرة الكرماء، فكان يوسف 'الكريم ابن الكريم ابن الكريم'، وفعلا لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين وعبرة للمعتبرين، وأنموذج للإيجابيين.  وإلى لقاء قادم..

تويتر@a_alahmaad



 











 

            

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ عبد العزيز © 2012

 
موقع الشيخ عبدالعزيز الاحمد - «قلـْب نبي»