المقالات


بعد العود.. قعود!

لحظات الجمال التي تفرح القلب، وتسر الخاطر، وتسعد الروح، تمر بالإنسان ما بين عبادات وعلاقات وشخصيات، فتظل تعمل بالنفس عملها، وتنشر في الحياة عبقها.

وذلك مثل الإنسان المسلم الذي أنعم الله عليه بمواسم مترعة بالعبير والروائح الزكية، فكلما شمها أكثر، أدمنها أكثر، فلاينفك يحبها ويتردد عليها مثل الصلاة والصوم والصدقة وغيرها، فتجده وهو يمارسها متذوقا لحلاوتها ومتشمما لرائحتها في قمة السعادة، فيطلبها أكثر، ففيها «قرة العين»

«وجعلت قرة عيني في الصلاة» كذلك الصوم الذي يرتفع به الإنسان عن جميع مشتهياته، فيصدر ذلك البطن الخاوي رائحة أزكى من ريح المسك! «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» فيستمر يعب من هذا العطر الخاص؛ لأنه مستقعد يعشق ذلك الفعل الذي وهبه رهافة الشعور، وجمال الحس، وخفة النفس، ويستمر ذلك العبق من الروائح في العلاقات مع البشر واللقيا بالشخصيات أيضا؛ فبعضها.. تتمنى لقياه على مدار الساعة، فهو عافية للبدن وسلوى النفس، يأخذ منك العفو، ويعطي المعروف.

إن لقيته كسبت، وإن غبت عنه دعا، يعذر على الخطأ، وينصح بلطف، ويسمو بالحلم، ويحسسك دوما بأنك أفضل، ولا يجعل معروفه حاجزا بينك وبينه، ينسى إحسانه ويتزايد فضله، مرة مرض قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما وكان رجلا غنيا كريما، فلاحظ قلة الزوار! فاستغرب ذلك فسأل زوجته

عن سر ذلك؟ فقالت رحمك الله؛ ليس أحد في البلد إلا وفي رقبته لك حق، ولم يوفوا لك، فلم يزوروك حياء منك! قال إذن مروا فلانا يقوم غدا بالناس ويخبرهم أن من لي حق عليه فقد وضعته وتنازلت عنه، قالوا فلم يأت المغرب إلا وقد كسر الناس عتبة داره من كثرتهم!

كم يمر بنا في حياتنا من المواسم والعبادات والمواقف والشخصيات.. فتنفتن الروح من جمالها وكمالها وطيبها وعبيرها، فتنعم بذلك كله.

فاضحك فإن الشهب تضحك والدجى

                  متلاطم، ولذا نحب الأنجما 

فإذا رحل.. أو رحلت أنت.. رجعت إليها

فلقد أسَرك الطيب والرَوح والجمال، فتهتف روحك، ليس كما يقال «ما بعد العود قعود»!

بل بعده عنبر، وسرور وقعود.



 











 

            

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ عبد العزيز © 2012

 
موقع الشيخ عبدالعزيز الاحمد - بعد العود.. قعود!