المقالات


أنت وحضورك الإيجابي

حياة المرء الممتدة لعشرات السنين، مليئة بالصور والمواقف والأحداث والشخصيات، وهو في ذلك إما معط أو آخذ، يلاقي شخصاً واحداً، وأحياناً مجموعة من الناس، فيهم الوالدان والأولاد، والأزواج، والأصدقاء والشركاء وعامة الناس، ولا شك أن قوام هذا النشاط الاجتماعي هو «العلاقة» الاجتماعية؛ وسأتكلم عنها لاحقاً بمقال أوسع بإذن الله. لكن سيركز هذا المقال على جانب منها هو اللقاء في اللحظات الأولى، سواء كان اللقاء لأول مرة أو سبقته لقاءات متعددة.

الناس في ذلك عدة أنواع؛ منهم ذو البشارة والبسمة، واللطف واللين، والمبادرة بالسلام وحسن الكلام، بحيث يكون متوسطا في الزيارة لا يقطع فينسى ولا يكثر فيُمل، وهذا له علاقة بطيب النفس وسلامة القلب وحسن الخلق، ومقامه في الإسلام مقام عظيم: «إن الإنسان ليدرك بحسن خلقه درجة القائم الذي لا يفتر والصائم الذي لا يفطر» وهذا ما مارسه المصطفى -صلى الله عليه وسلم- في مجمل حياته كما وصفه أحد أصحابه رضي الله عنهم: «ما رأيته الا تبسم في وجهي»، وأكّد على صحابته في ممارسة سلوك البسمة: «وتبسمك في وجه أخيك صدقة»، ومن الناس المتجهم، القلق، قليلا ما ترى أسنانه، تحس بأن أثقال الدنيا فوق كاهله واليأس مخيم عليه، وهذا غالبا شخصيته شخصية حساسة جدا، ويوسوس لكل لفظة تقال أو نظرة تلحظ، وبقية الناس مستويات بين ذاك البسام اللطيف والأخير المتجهم الفظ، وهذا إقباله ثقيل وكلامه ثقيل حتى يضيق به جلساؤه بل كأن الأرض التي يمشي عليها تشكو منه ولذا قال الشاعر:

قل للثقيل ابن الثقيل ابن الثقيلة

ضاقت على الثقلين من ثقلائك الأرض الثقيلة!

ولينظر الإنسان فيمن حوله من الذين بقيت صورهم في الذاكرة؟ إنهم الأكثر بسمة ولطفا وطيباً!

ربما من غابت بسمته أحيانا لديه ما يعذر عليه من ظروف مر بها أو مشكلات واجهته، لكن السؤال المهم فيمن غالب حياته كذلك! هل لاحظ نفسه؟ ثم كيف يقلل من ذلك مع اكتساب مهارات اللقاء؟ والبسام اللطيف، اللين اللبق كيف وصل لهذا المستوى السامي؟

ثمة أساليب لابد أن يمر بها مريد الحضور الإيجابي ليصل لمستوى متميز فيه، أهمها وآكدها؛ الإيمان بإمكانية التغيير للأفضل وتوليد القوة الدافعة عبر تحريك الإرادة الداخلية وتكون هما وعزما وإصرارا؛ فالإنسان حارث وهمام، بعدها يطلق المرء خياله وتفكيره الإيجابي فينظر لمشاهد الجمال والكمال والخير في الناس والكون والحياة!

أيضا يحاول تناسي مخلفات الماضي القاسية والمحزنة فتذكرها يشوش الذهن، ويجفف المشاعر، ويذهب بشاشة الوجه، وجمال اللقاء

ومقابل ذلك تذكر أثر البسمة والكلمة الطيبة على وجه صاحبها ووجوه الآخرين فهي صحة للنفس والبدن ونضارة للوجه وكسب لقلوب الآخرين، واستحضار الأجر العظيم الذي يناله من مارس بسمة الوجه وحسن القول والخلق.

وفي مسيرة تدريب النفس على ذلك جميل أن يؤمن المرء بالتدرج فتربيتها تحتاج تأنيا فمثلا إذا كان الإنسان صاحب لجاجة يقلل ما استطاع، أو تحطيم أو نقد يراقب نفسه في عدة جلسات، وينتبه لما يصدر عنه، ويحاول أن يتمرن على أخلاقيات اللقاء البسمة، والسلام، وحسن الكلام، وتقدير الآخرين فقد أكد المتخصصون على إمكانية تعديل السلوكيات بالتعليم والتدريب، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم».

وبعد لربما لم تستطع تحقيق كل ما تريد في ذلك، لكنك ستحس بتأثرك الإيجابي ببعض مهاراتها فمع المحاولة والمعاودة تؤثر قطرات الماء في الحجر الصلب، لتنحت فيه نقشاً لا يمحى... وإلى لقاء قادم.



 











 

            

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ عبد العزيز © 2012

 
موقع الشيخ عبدالعزيز الاحمد - أنت وحضورك الإيجابي