المقالات


صديقي .. وداعاً

صديقي .. وداعا

الإنسان مدني بطبعه؛ يألف ويؤلف، ويستوحش من الوحدة، والناس يحتاج بعضهم لبعض، كما قال تعالى: "ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا".

والمرء يدخل غمار الحياة من صغره، ويبني علاقاته رويداً رويداً، التي تتوسع من نطاق الأسرة؛ لأتراب الحارة، والأقارب، والأصدقاء، وفي رحلة هذه العلاقات تمر بالإنسان الشخصيات المتعددة، والمواقف المتنوعة، وأحياناً الغريبة!

كم واحد مرت به شخصيات إيجابية بكلامها وفعالها، وبقيت في ذاكرته مواقف جميلة مملوءة بالشهامة والبذل! وكم مرّ أيضاً شخصيات شحيحة، أنانية، طبيعتها الميل لمصلحتها الخاصة.

وقد رأيت أحد الأصدقاء يتوجل من هذه النوعيات، ويقول: "إنني أكتشفهم لما احتجتهم! لذا - والكلام للصديق - بدأت أراجع صداقاتي، وأقللها!

وأحدهم قال لي مرة، وقد احتاج أحد زملائه القدامى في أمر فخاب ظنه: وضعت عليه "إكساً" كناية عن علامة ( X ) التي تستخدم غالباً لإلغاء الأشياء أو حذفها!

وآخر استفزع بقريب في وساطة فوجد بروداً فقاطع الاجتماع العائلي، وهناك من اكتشف أن أسراره التي يأتمن عليها صديقه القريب لا تلبث عدة أيام حتى يسمعها ممن حوله!

وهذه المواقف والشخصيات تمر بالرجال والنساء على حد سواء، ولو رصدنا نتائج العلاقات الاجتماعية لوجدناها تتراوح بين الرسمية أحياناً والبساطة قليلاً، مع نجاح عارض وفشل جزئي لا يغيب وقد يتطور لهجران وتقاطع مؤقت أو دائم.

ولا شك في أن بعض هذه المواقف والشخصيات قد تخرج الإنسان من طوره؛ لكن هل يعد مقبولاً الحكم بالقطيعة التامة لخطأ وقع؟ وهل يستمر المرء بردة الفعل هذه كلما واجه مثل هذه المواقف والشخصيات؟

وهنا أصل لسؤال كبير : كيف أبني علاقاتي، وأطورها وأحافظ على نجاحها وأقلل من الخسائر العارضة؟

أولاً : لابد أن تؤمن بتنوع الشخصيات، وقدرات الأفراد، وكذلك ظروفهم، إضافة إلى أن بناء العلاقة مع الانسان ليست سهلة، لأن طبيعته متقلبة حسب القناعات و"المزاج" وتعرضه للمتغيرات والأحوال.

ثانيا: حتى لا تتعب نفسيا ولا تفشل اجتماعيا لا تكثر من الطلب، وإذا طلبت كن واضحا ولا تلح، وتوقع انه ربما لا يستطيع، حتى لا تتفاجأ لاحقا بعدم تنفيذ مرادك فيكون وقعه عليك خفيفاً.

ثالثاً: من الخطأ أن يبني المرء علاقاته حسبما يستفيد منها "دنيويا" فهذا معيار ناقص! وإنما حسب "أمر الله" ووفق ما يفيدك في الآخرة أولا.

فهذا يعطي العلاقة قوة وعمقا وامتدادا، لذلك جعل الله هذه العلاقة هي الأبقى "الإخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوٌّ إلا المتقين".

وقال تعالى : "والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان الحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء"، فحينما يكون مبدأ العلاقة لله، وتتوقع التقصير منهم، مع إيجاد المعاذير لهم؛ يريحك كثيرا، ولا يذبذب العلاقات مع الاعتدال العلاقاتي في حياتك، لذا يقل - إن لم ينعدم - وضع (الإكس) على العلاقات العرجاء أو المصلحية مع الآخرين.

رابعا: العلاقة مع الآخرين تتكون من عدة دوائر، نحو ما يلي:

  1. الدائرة الخاصة "وهي التي تشمل الوالدين والأولاد والزوجين وفروعهم، والصديق أو الشريك القريب جدا" وهؤلاء الشرع والعقل يأمران بالقرب منهم شعورا، واهتماما، والمشاورة وإعطائهم من خالص الجهد والعلم والمواصلة حتى مع التقصير، وهؤلاء من الطبعي معرفتهم بالأسرار الخاصة.

فأما الفئة الأولى فلابد من معايير، لاختيارهم وتجريبهم إن أمكن في مواقف، ثم الاصطفاء، أما الوالدان والأولاد فلا يدخلون ضمن الاختيار، لأنهم فوق الاختيار الإرادي، خاصة الزوجين والصديق القريب جداً، كما قال الشاعر:

أُصَادِقُ نَفسَ المرْءِ من قبلِ جسمِهِ وَأعْرِفُهَا في فِعْلِهِ وَالتّكَلّمِ

وَأحْلُمُ عَنْ خِلّي وَأعْلَمُ أنّهُ متى أجزِهِ حِلْماً على الجَهْلِ يَندَمِ

وَإنْ بَذَلَ الإنْسانُ لي جودَ عابِسٍ جَزَيْتُ بجُودِ التّارِكِ المُتَبَسِّمِ

  1. الدائرة المتوسطة "وهي التي تتكون من الأعمام والعمات والأخوال والخالات وفروعهم، والأصدقاء القريبين، والجيران الملاصقين".

  2. وهؤلاء هم بعد الفئة الأولى وجميل صلتهم والبذل لهم، لكن ليس بالضرورة ان يطلعوا على تفاصيل أخبار الإنسان،

4.الدائرة الواسعة "تتكون من الأقارب أولي الرحم، والأصدقاء البعيدين، وبقية الجيران، وبقية المعارف، وهؤلاء لهم حق الوصل والجيرة من الإحسان والمعروف العام:

صُنِ النَّفْسَ وَاحْمِلْهَا عَلَى مَا يَزِينُهَا تَعِشْ سَالِمًا وَالْقَوْلُ فِيكَ جَمِيلُ

وَلَا تُولِيَنَّ النَّاسَ إِلَّا تَجَمُّلًا نَبَا بِكِ دَهْرٌ أَوْ جَفَاكَ خَلِيلُ

هكذا.. ستصبح علاقاتك "في الجملة" إيجابية مع الكل، فلكل منهم حقه وتعامله وفق دائرته.. فلنكن كذلك لنعيش سعداء معاً.. وإلى لقاء مقبل بإذن الله تعالى.



 











 

            

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ عبد العزيز © 2012

 
موقع الشيخ عبدالعزيز الاحمد - صديقي .. وداعاً