المقالات


الأب الفندقي

استوقفني قبل فترة، بريد أتاني على شكل استشارة تطلب صاحبتها الحل لذلك، عنونت الاستشارة: بـ"الأب الفندقي"، قائلة: أبي كريم ووجيه، وله مركز، وأمي متعلمة ومربية، ولا ينقصنا شيء من الدنيا، إلا رؤية الأب لو سويعات في الأسبوع، مشغول في الصباح والمساء، ما بين مكتب وأوراق ومؤسسات وشركات واجتماعات وسفريات، يأتي للبيت للأكل والشرب والنوم وتغيير الملابس، تقول باختصار: كأن بيتنا "فندق" له، كأنه لا يحس أن بالبيت بشراً لهم مشاعر وحاجات نفسية ورغبة في القرب والسوالف لو بعض الوقت!

هنا أعزائي القراء، أخذني التفكير في هذا النوع من الآباء الذي اهتم بجانب المال والوجاهة والدنيا، غافلاً أو جاهلاً عن الاحتياجات الأخرى للأسرة وأفرادها، وهي الأهم، لكن يأتي سؤال يلح عليّ: ما الأمر الذي يقوم عليه عمود الأسرة، ويزيدها تفاعلاً وإيجابية؟ فوجدت كما رأيتُ وثبتَ في البحث والتجربة أمورا متعددة، وليس أمراً واحداً فقط، سأحاول الكتابة حول أهمها في مقالات لاحقة بإذن الله، منها ما ذكرته تلك الفتاة عن أبيها من حاجة ضرورية لوجود الأب، وهذا يؤكده الواقع والدراسة، حيث أجريتُ استفتاء على ٢٢ ألف أسرة وسألتهم: هل لديكم جلسة أسرية مرتبة مقننة تجمع أفراد الأسرة ساعة أو ساعتين بالأسبوع دون وجبات الطعام كالغداء والعشاء؟ فكانت الإجابة ٧٠٪ بلا، و٣٠٪ يوجد جلسات لكنها ضعيفة، وهذا يدل على ضعف الجلسات، وبالطبع ضعف التخطيط الأسري.

ومن خلال تخصصي في الإرشاد الأسري، اطّلعتُ على دراسات تؤكد أن غياب الأب المتكرر عن الأولاد وحرمانهم منه- ليس في العمل فقط- وإنما طوال اليوم والأسبوع، يفقدهم الحنان المتبادل والسلوكيات الحسنة والقدوة الأبوية، كذلك يضع فواصل بينه وبينهم، تتعاظم مع الأيام، وهذا ما أكده الباحث الدوسري حول دراسته في أسباب دخول الفتيات والفتيات للإصلاحيات، فتوصّل إلى أن من أهمها انشغال الوالدين أو انفصالهما.

في المقابل.. هناك وجه جميل لأسر نظّمت جلسات أسرية مقننة (ساعتان أسبوعياً) مقسمة على يومين، مثلاً الأحد والأربعاء بعد المغرب، يجتمع فيهما أفراد الأسرة؛ الأب والأم والأولاد، وتقسم المهام: إدارة الجلسة، وتجهيز القهوة والحلوى، طرح مسابقة أو فكرة ثقافية وتكون شيئاً خفيفاً، مع وضع تنافس بينهم، وجمع نقاط أسبوعية، وفي نهاية الشهر تخرج نتائجهم، ويكون هناك رحلة جميلة وزيارة محببة..إلخ، الذي أعرفه في الأسر، أنّه حينما التزم الجميع بالجلسة خرجت نتائجهم متميزة، وفعلاً تباسطوا وتعارفوا أكثر، وفُعّلت القدرات وصقلت المهارات وأشبع الأولاد جوعهم لجلسات الأب وهو خليّ البال.

ألا تتفقون معي على أن أعظم استثمار بين أيدينا هو 'الإنسان'؟ وأنّ أهمهم في الذمة هم 'الأولاد'؟ ولا شك أنّهم يحتاجون كفايتهم من المال والسكن والتعليم والمتابعة، لكن الأهم من ذلك كله، هو احتياجهم لساعة يومياً أو جلستين بالأسبوع، والأب العاقل من يتأمل ذلك، وهو همّ مشترك بينه وبين الزوجة الأم التي يحسن بها تذكير الأب لذلك وتهيئة الأجواء داخل الأسرة.

أيّها الأب العزيز:

بدلاً من جعل البيت فندقاً للخدمة فقط، اجعله، فندقا للاستجمام والمجالسة والمؤانسة والمدارسة معطيا لهم بعض وقتك.. فمتى ما أعطيتهم من الوقت وقت بنائهم، وفي صغرهم وفتوتهم، أعطوك من الوقت والقرب وقت ضعف جسمك، وقرب انتقالك.. فمن زرع حصد، وإلى لقاء قادم.



 











 

            

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ عبد العزيز © 2012

 
موقع الشيخ عبدالعزيز الاحمد - الأب الفندقي