المقالات


المواطنة بين فقاعات الادعاء ولبنات البناء

نه لحري بالعاقل أن يأسف ممن يحصر معنى المواطنة في ترداد الكلام ومداد الأقلام فقط، متناسياً أن ذلك مجرد جزء من المفهوم الكبير للمواطنة، ويتقاصر فهمه وتثقل قدمه عن مد رواق ذلك المفهوم إلى مدى أوسع وأفق أرفع!

وإن حب الوطن والحنين إليه والدفاع عنه هو سنة فطرية وجبلة نفسية، لا يتجرد منها أي إنسان كائناً من كان، فإبراهيم وموسى عليهما السلام طافا في بلاد الله ثم عادا لمسقط رأسيهما في الشام، ومحمد صلى الله عليه وسلم يلتفت على مكة حين أخرجوه ويعلنها مخلصة مؤثرة: "والله إنك لأحب البقاع إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت"، وما أرق قول الشاعر:

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى

ما الحب إلا للحبيب الأول

كم منزل في الأرض يألفه الفتى

وحنينه أبداً لأول منزل

وهذا واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، ولا يحتاج معه لعناء بحث ولا حشد براهين!

 إن المواطنة الحقيقة، تعبر عن نظافة في الباطن من الغش والكذب والخداع، ونظافة في الظاهر في التعامل في مكتب وشارع أو مع أسرة وصديق، والوطن والانتماء إليه بالمواطنة، مفهوم واسع يشمل التزاماً بالحقوق والواجبات، وحفظاً للمكتسبات، وصدقاً مع الأفراد والجماعات، إنه مبدأ يتسع للابتداء بالسلام ويحلق إلى مبايعة الإمام، وفي الأولى تمنح من تسلم عليه صفحة كفك، أما في الأخرى فإنك تمنحه ثمرة الفؤاد، ولا روعة في التضافر والتكافل والتآزر كهذه الروعة!

وكم يحزن المواطن المخلص إذا رأى إنساناً يصعد على أكتاف الآخرين بسحقهم، ويمدح نفسه بذمهم، ويرفع قدره بخفضهم، ويدعي المواطنة والوطن منه براء!.

وإن صحت مقولتي، فإنه لا يواطن حقاً من يسلخ من أظهر الفقراء والمظلومين ملايين الريالات ومربعات الأمتار مشارطة، مقابل قضاء حاجتهم التي بين يديه.. والتي لم تكن عنده إلا لأنه "مسؤول".. وإنه لا يواطن من يحارب الأكفاء والفضلاء في توليتهم الإدارات والمسؤوليات، بسبب خلاف شخصي أو اختلاف في وجهات النظر.. وإنه لا يواطن من يرى نفسه أنه هو فقط أحرص الناس على الوطن والآخرون شذاذ آفاق حلوا بداره!

أيها المسؤولون والكتاب، إن المواطنة حقاً.. صدق في الولاء.. وجد في العطاء وعدة في البلاء ورحمة في الرخاء، المواطنة حقاً هي بيعة للوالي، وحفظ للمال، وأمانة في الأقوال والأفعال، والقيام بالحق والعدل! وباختصار شديد.. فالمواطنة نزاهة قلب ويد وقلم، ومشاركة في الفرح والألم وحفظ للأعراض والذمم.. وبذلك يعلو البناء بتلك اللبنات المباركات، وتندثر فقاعات الادعياء كما احتمل السيل زبداً رابياً!



 











 

            

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ عبد العزيز © 2012

 
موقع الشيخ عبدالعزيز الاحمد - المواطنة بين فقاعات الادعاء ولبنات البناء